أبو علي سينا

147

القانون في الطب ( طبع بيروت )

من اندفاع حركة المندفع إلى خارج ، والغثيان هو حالة للمعدة كأنها تتقاضى بها هذا التحريك ، وكأنه ميل منها إلى هذا التحريك ، إما راهناً أو قليل المدة بحسب التقاضي من المادة . وهذه أحوال مخالفة للشهوة من كل الجهات . وتقلّب النفس يقال للغثيان اللازم ، وقد يقال لذهاب الشهوة . والقيء منه حاد مقلق ، كما في الهيضة ، وكما يعرض لمن يشرب دواء مقيئاً ، ومنه ساكن كما يكون للممعودين ، وإذا حدث تهوعّ ، فقد حدث شيء يحوّج فم المعدة إلى قذف شيء إلى أقرب الطرق . وذلك ، إما كيفية تعمل بها مادة من أذى بها ، أو بعضو يشاركها كالدماغ إذا أصابه ضربة ، أو مادة خلطية متشربة ، أو مصبوبة فيها يفسد الطعام ، إما صفراوية ، أو رطوبة رديئة معفنة ، كما يعرض للحوامل ، أو رطوبة غير رديئة لكنها مرهلة ، مبلة لفم المعدة من غير رداءة سبب ، أو رطوبة غليظة متلحجة ، أو كثير مثفلة ، وإن لم يكن سبب آخر ، فإنه يتأذى به . وإن كان مثلًا دماً ، أو بلغماً حلواً يرجى من مثله أن يغفو البدن ، ويغفو أيضاً المعدة ، فإن الدم يغذو المعدة ، والبلغم الحلو الطبيعي ينقلب أيضاً دماً ، ويغذو المعدة ، لكنه ليس يغذوها كيف اتفق ، وكيف وصل إليها ، ولكنه إما يغذوها إذا تحرج وصوله إليها من العروق المغيرة للدم إلى مزاج المعدة المشبهة إياها بها ، وهي العروق المذكورة في التشريح ، اللهم إلا أن يعرض سبب لا تجد المعدة معه غذاء البتة ، ولا تؤدي إليها العروق ما يكفيها ، فتقبل عليه ، فتهضمه دماً ، كما أنه كثيراً ما ينصب إليها الكبد ، لا من طريق العروق الزارقة للدم ، بل من طريق العروق التي ينفذ فيها الكيلوس دماً جيداً صالحاً غير كثير مثقل ، ليغدوها على سبيل انتشافها منه ، وإحالتها إياه بجوهرها إلى مشابهتها . وقد غلط من ظن أن الدم لا يغذو المعدة ، وحكم به حكماً جزماً مطلقاً . ومن الناس من يكون له نوائب في السوداء بعادة ، وفيه صلاحه ، وربما أدى إلى حرقة في المريء والحلق ، بل قرحة . ومن الغثيان ما هو علامة بحران ، وربما كان علامة رديئة في مثل الحمّيات الوبائية . وإذا كثر بالناقهين أنذر بنكس . ومن القيء بَحْرَانيٌّ نافع للحمّيات الحادة ، ولأورام الكبد التي في الجانب المقعر . ومن القيء ما يعرض من تصعد البخارات ، وإذا كان بالمعدة ، أو الأحشاء الباطنة أورام حارة ، كانت محدثة للقيء لما يميل إلى الدفع ، ولما يتأذى من أدنى مس يعرض لها من أدنى غذاء ، أو دواء ، أو خلط ، أو عضو ملآن . والغثيان ربما يبقى ، ولم ينتقل إلى القيء ، والسبب فيه شدة القوة الماسكة ، أو ضعف كيفية ما يغثي ، أو قلّته ، حتى أنه إذا أكل عليها سهل القيء ، بل حرّك للقيء . ومن كانت معدته ضعيفة يعرض له أن يغثّي نفسه ، ولا يمكنه أن يتقيأ لخلاء معدته ، وقلة الخلط المؤذي له متشرّباً ، كان أو غير متشرّب ، الذي لو كان بدل هذه المعدة وفمها معدة أقوى ، وفم معدة أقوى ، لم يغث نفسه به ، بل ولا انفعل عنه ، لكنه لضعفه ينفعل عنه ، ويضعفه ، ولقلة المادة لا يمكنه أن